الشريف المرتضى
205
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
تعلّقا بالمخبر عنه ، فلا يخلو المخبر عنه من أن يكون على ما تناوله الخبر ، فيكون صدقا ، أوليس على ما تناوله الخبر ، فيكون كذبا . وإذا لم يكن بين النفي والإثبات واسطة في مخبر الخبر ، فلا واسطة في الخبر بين الصّدق والكذب . وقول الجاحظ : « إنّه لا يكون كاذبا إلّا من علم كونه كذلك » باطل ؛ لأنّ العقلاء يصفون كلّ مخبر علموا أنّ مخبر خبره ليس على ما تناوله خبره بأنّه كاذب وإن لم يعلموا أنّه عالم بذلك ، ولو كان العلم شرطا ، لوجبت مراعاته كما وجب مراعاة متناول الخبر . والمسلمون يصفون اليهود والنصارى بالكذب على اللّه ، وإن كان أكثرهم لا يعلم أنّه كاذب ، بل يعتقد أنّه صادق . ولو كان الأمر على ما ادّعاه الجاحظ ؛ لوجب أن يكون قول أحدنا لغيره : « إنّه كاذب ولا يعلم بأنّه عالم بكذبه » مناقضة ، وممّا لا يمكن أن يكون حقّا ، ومعلوم خلاف ذلك . والجاحظ بنى هذا على مذهبه في المعارف ، وأنّها ضرورة ، واعتقاده أنّ من لا يعرف فهو معذور ، وكونه كاذبا يقتضي الذمّ ، فلم يتّصف به إلّا مع العلم ، وقد بيّنّا في الذّخيرة « 1 » وغيرها بطلان هذا المذهب ، ودللنا على أنّ المتمكّن من المعرفة يقوم مقامها في لحوق الذمّ واستحقاق العقاب . والصدق من جنس الكذب ؛ لأنّ السامع لا يفصل بينهما بالإدراك ، ولو اختلفا في الجنس لفصل بالإدراك بينهما . ولم يكن الخبر خبرا لجنسه ، ولا لصيغته ، ولا لوجوده ، بل لقصد المخبر إلى كونه خبرا ، وكلّ شيء دللنا به على أنّ الأمر لم يكن أمرا لشيء يرجع إلى أحوال الأمر ممّا قدّمنا ذكره مبسوطا هو دلالة في الخبر ، فلا معنى لإعادته « 2 » .
--> ( 1 ) الذخيرة في علم الكلام : 343 . ( 2 ) راجع الذريعة ، 1 : 41 .